الشيخ باقر شريف القرشي

106

حياة الإمام زين العابدين ( ع )

إن الإمامة في الإسلام تعنى بتوزيع خيرات اللّه على عباده ، وتوفير الفرص المتكافئة لهم ، وحمايتهم من الاستغلال والاستعباد ، وهي من أسمى ما توصل إليه تطور الفكر البشري في عالم الحكم والسياسة ، وهي إنما تحقق الوسيلة التي خططها لها الإسلام فيما إذا تقلدها الأئمة المتقون من عترة النبي ( ص ) الذين هم عدلاء الذكر الحكيم ، وسفن نجاة هذه الأمة ، وسنوضح ذلك في البحث التالي . النبي والإمامة : والشيء المؤكد الذي لا خفاء فيه أن النبي ( ص ) قد رتب الخلافة والإمامة من بعده ولم يترك الأمة من بعده فوضى تتعرض للأخطار والأزمات ، فقد نص على خلفائه الأئمة الاثني عشر من أهل بيته ، وفي طليعتهم سيدهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد نصبه علما ومرجعا للأمة ، ولم يكن ( ص ) بذلك مدفوعا بأي عاطفة من العواطف التقليدية ، وإنما قلد الإمام ( ع ) هذا المنصب الخطير لكفاءته ومواهبه وعبقرياته وشدة احتياطه في الدين ، فقد اجمع علماء المسلمين على اختلاف ميولهم ومذاهبهم على أن الإمام أعلم من في الأمة بعد النبي ( ص ) وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين ، واعرفهم بالشؤون السياسية والعسكرية والاجتماعية لا سيما وأن الأمة كانت جديدة عهد بالإسلام فهي تحتاج قبل كل شيء إلى بيان محاسن أحكام الشريعة الإسلامية ، وتفصيل ما تبتلى به من العقود والايقاعات والمواريث والحدود ، وغيرها ، ومن الطبيعي أن عدم ترشيحه لهذا المنصب إنما هو حرمان للأمة من التمتع بمواهب هذا العملاق العظيم ، وهذا مما يمتنع عقلا صدوره عن النبي ( ص ) الحريص على أمته الرؤوف بها كما قال تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » « 1 » .

--> ( 1 ) سورة التوبة : آية 128 .